زكريا القزويني
520
آثار البلاد واخبار العباد
وأهل جرجانية كلّهم معتزلة ، والغالب عليهم ممارسة علم الكلام حتى في الأسواق والدروب يناظرون من غير تعصّب بارد في علم الكلام . وإذا رأوا من أحد التعصّب أنكروا عليه كلّهم وقالوا : ليس لك إلّا الغلبة بالحجّة ، وإيّاك وفعل الجهّال ! وأهلها أهل الصناعات الدقيقة كالحدّاد والنجّار وغيرهما ، فإنّهم يبالغون في التدقيق في صناعاتهم ، والسكاكون يعملون الآلات من العاج والآبنوس ، لا يعمل في غير خوارزم إلّا بقرية يقال لها طرق من أعمال أصفهان . ونساؤها يعملون بالإبرة صناعات مليحة كالخياطة والتطريز والأعمال الدقيقة . وحكي أن السبب في بناء هذه المدينة أن بعض الملوك غضب على جمع من أصحاب مملكته ، فأمر بنفيهم إلى موضع بعيد عن العمارات ، فنفوهم إلى هذا المكان وتركوهم ، وكان موضعا منقطعا عن البلاد لا زرع به ولا ضرع . فلمّا كان بعد مدّة جرى ذكرهم عند الملك ، فأمر بكشف خبرهم فجاؤوا إليهم فوجدوهم قد بنوا أكواخا ويتقوّتون بصيد السمك ، وكان عندهم حطب كثير فقالوا لهم : كيف حالكم ؟ قالوا : لنا هذا السمك وهذا الحطب . فسمّي الموضع خوارزم لأن بلغتهم خوار اللحم ورزم الحطب ، فبعث الملك إليهم أربعمائة جارية من سبي الترك على عدد الرجال المنفيين ، فتوالدوا وتناسلوا فلهذا ترى صورهم صور الأتراك وطباعهم طباع الترك . وفيهم جلادة وقوّة فعمروا ذلك الموضع حتى صار من أحسن بلاد اللّه تعالى وأكثرها عمارة ، حتى لم ير بها خراب ، فإنّها مع ما هي عليه من سباخة أرضها وكثرة برودها متّصلة العمارة متقاربة القرى ، كثيرة القصور والبيوت ، وقلّما يقع النظر في رستاقها على أرض لا عمارة فيها ، هذا مع كثرة الأشجار . والغالب عليها التوت والخلاف لأجل دود القزّ ، فإن لهم يدا باسطة في تربيتها ، والخلاف لأجل العمارات ، فإن عماراتهم من الاخصاص والخلاف لأن أرضها كثيرة النزوز لا تحتمل البناء الثقيل ، فإن الماء ينبع إذا حفرت ذراعين .